السيد كمال الحيدري

66

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

ومن هنا يتَّضح مغزى قوله تعالى : . . . عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ . . . ( الأعراف : 156 ) ، فقيَّد الله سبحانه إصابة عذابه بالإشاءة دون سعة رحمته ، لأنَّ العذاب إنما نشأ من اقتضاء من قِبَل المُعذَّبين لا من قِبَله ؛ قال تعالى : مَا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللهُ شَاكِراً عَلِيماً ( النساء : 147 ) ، فلا يُعذِّب اللهُ سبحانه أحداً بمقتضى ربوبيته ، وإلا لعذَّب كلَّ أحدٍ ، وإنما يُعذِّب مَن تعلَّقت به مشيئته ، ومشيئته بالعذاب لا تتعلَّق إلا بمن كفروا بنعمه ، قال تعالى : وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ( إبراهيم : 7 ) ، فالعذاب إنما هو باقتضاء من قِبَل المُعذَّبين نتيجة كفرهم بالنعم ، وهذا يعني أنَّ سعة الرحمة ليست سعةً شأنية ، وأنَّ قوله تعالى : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ليس مُقيَّداً بالمشيئة المُقدَّرة ، وإنما هي من لوازم الرحمة الفعلية ، وذلك لأنَّ الظاهر من الآية أنَّ المراد بالرحمة هي الرحمة العامّة التي تسع كلَّ شيء بالفعل ، وقد شاء الله ذلك فلزمتها ، فلا محلَّ لتقدير : إن شئت . ومن ثمَّ كانت آية البسملة مفتتح كلّ السور ما عدا سورة البراءة ، لأنها بصدد التهديد والوعيد ، وليست بصدد الرحمة - وإن كانت في الضمن تستبطنها - فلم يكن مجال للبسملة . الاسم الأعظم من ثنايا ما تقدَّم أمكننا التوفّر على جملة حقائق مرتبطة بالاسم الأعظم ، وهي : * إنَّ الاسم الأعظم هو الذات المقدّسة المُتحيِّثة بكلّ الكمالات . * إنَّ الاسم الأعظم محيط بكلّ الأسماء ومنشأ لها ، فليس فوقه اسم أبداً ، وهو الاسم الجامع لما سواه .